قهوة سادة

الخميس، 12 مارس 2009

رزق سقاه الله. 1

لا أذكر تحديداً كيف جري الحوار بيننا – أظن إني سمعتها تقول " إزيك يا واد يا أحمد ". واد! في البداية لم ابتلع " الكلمة " وتساءلت بسرعة بيني وبين نفسي؛ مَن هذه ؟ .. وبدا لي إنها تتحدث بشكل مألوف، وودي، كأنها تعرفني من زمن. ثم سألتها بأسلوب مباشر وطبيعي:مين حضرتك؟ و "بانغ" مَن يا تري يحدثني بعد كل تلك السنين غيرها " أبلة كريمة". كريمة ؟ يا الله أنا لا أصدق أذني. هل سمعت الاسم بشكل صحيح. انفجرت اتسأل من جديد. أبلة كريمة مين؟ حاولت التأكد هل هي فعلا كريمة التي خمنت ذاكرتي. قفز الشك إليّ ولكن أنا لا أعرف إلا كريمة واحدة. وبدا الأمر مألوف لي ولها حينما أكدت إنها " كريمة جارتك زمان أيام المرج". وبعد تناول السلامات والطيبون وما إلي ذلك من أشياء تافهةو متوقعة .. مثل : كبرت يا أحمد وبقيت راجل". ثم ضحك متبادل، ثم طلب أزلي : ابقي تعالاا زورنا ". ان شاء الله قريب . ثم صمت، ثم تتذكر فجأة " إلا قولي أمك عامله إيه ؟"، "آه تمام الحمد لله " ثم " طب اديني رقم تليفون البيت لحسن دي وحشاني أوي". ثم تتحرك يدي ببطء وذهول وانتهي بحركة الاغلاق. لتبدأ الذاكرة في العرض المسرحي. كريمة كانت جارتي. في المنزل القديم. مسقط رأسي. المرج. واحدة من أقذر بقع الدنيا قاطبة. نعم. المرج. حيث تحسب نفسك في مخيم لاجئين. حيث البيوت القديمة التي تكاد تتكلم وتشخر للتعبير عن مرحلة الالتصاق دامت أكثر من نصف قرن. البيت كان ينكح البيت المجاور له بلا أي رحمة ينكح بلا توقف وتستمر مرحلة النكاح و الالتصاق العظيمةحتي لحظتنا تلك. كنت أنا أسكن بالقرب من محطة مترو الانفاق. في بيت من اربع طوابق. وأنا في الطابق الأول، وكريمة وزوجها ثروت فرج في الطابق الذي يليني، والطابق الأخير احتله الشيخ رمضان الملعون- والشيخ رمضان هذا هو ابن فرج ايضا. وأخ شقيق لثروت، لكنه كان ملتحي ويتبع جماعة دينية غريبة الاطوار؛ تُحرّم كل شيء تقريبا والجماعة تسمي "البرماوية".
كريمة كانت أنثي مثيرة بالفطرة. ليس لدي الآن وأنا أتذكر أدني شك بأنها تربت رباية "عِزَب" بالمعني الحرفي للكمة؛ حيث هناك حاكم عسكري دائم مستبد وغالبا ما يكون الأب. كان يبدو لي وأنا صغير كتجار المخدرات ويعلم الله وحده هل تاجر فعلا بالمخدرات ام بالسلاح. والأم امرأة "غلبانة" لا تعرف كتابة أو قراءة تعيش بفطرة الحيوانات وما تعلّمته من السلف. تعود ذاكرتي تعرض المشاهد المسرحية، مشهد تلو الآخر. بصورة تدفعني للضحك أحيانا. وحق الله كنت طفلا صغيرا أميل غريزيا للملمس الناعم للأشياء . قماش القطيفة، ورعشة جسدي من سقيع البلاط في الشتاء، والقطة السيامي، وجسد النساء من فوق قميص النوم الحريري.
أذكر إننا كنا نتبادل الزيارات، كقطيع من الفئران، بحذر وخوف وتردد. لم نكن نخطلت بأحد من الجيران بعينه. كانت زيارات قصيرة المسافة والزمن، لحين عودة أبي من القهوة أو زيارة لأحد أصدقاءه. عندما كنا نخطف زيارة بين حين وآخر "لأبلة كريمة"؛ كانت أمي مثلا تجلس وتتحدث مع زوجة الشيخ رمضان المجنون، وأجلس أنا وباقي الأطفال مع أبلة كريمة، كانت تلاعبنا. وأذكر حبها لنا. حب أمومي بالغريزة. لكني لم أعتبرها في منزلة الأم ولو للحظة واحدة. كنت أراها " فرس" بمعني الكلمة. وقتها كانت زوجة جديدة لم تمم عامها الأول. طفلة ناضجة فَتحت رجليها لتوّها. فُتِحا إلي الأبد. وأتذكر الآن بياضها وصدرها الرحب الممتليء وحركته " الجيلاتينيه" المصاحبة له عندما تمشي أو تتحرك. وكانت تملك طيز مستديرة قوية كما المغرفه. وأنا كنت أتحسس أجزاءهاتلك بخبث وخوف لا حدود لهما. وكانت تسمح لي بأي شيء. لأنها طبعا تخيلتني طفل لم يدرك بعد هذه الحاجات. وكانت حضرتها تجلس بقميص نوم أسود حريري لامع، وكأنني أجلس مع مع راقصة من شارع الهرم. وأنا مَن؟ أنا الطفل المفترض أن عيناه عيني قطة مغمضة! ولكن علي مين؟
يا الله.. أي استمتاع كنت أشعر به وأنا اجالس كل هؤلاء الحمقي المساكين؟ واي كره كنت أكره لكل من اعتبرني طفل أو قطة صغيرة تحمر خجلا وكسوف! وأنا فعلا كنت خجول لدرجة المرض، كنت في حرب نفسيه بين شعوري باختلافي عن باقي الاولاد في مرحلة الطفولة، وبين نظرة الكبار الحقيرة المستهترة لكوني لست أكثر من قطة لا تعرف أكثر من " مياو .. مياو ..".

فضاء التدوين

أرشيف المدونة الإلكترونية